الأربعاء، 19 أكتوبر، 2011

اهمية التماثيل في عهد الفراعنة


كان من إحدى إبداعات الفن المصرى القديم والمسمى الفرعونى التماثيل سواء للملوك أو الأفراد أو الآلهة أو الحيوانات... إلخ. ولكن ما المغزى الحقيقى الذى أراده المصرى القديم من التماثيل ؟ وما الغرض الذى صنعت لأجله ؟

نجد أن لكل نوع من أنواع التماثيل لها مغزى ومعنى مستقل بنفسه ففى تماثيل الملوك والأفراد تختلف مغزاها عن تماثيل الآلهة، عن تماثيل الحيوانات.

فمع بداية العصور ما قبل التاريخ نجد أن أهم أنواع التماثيل كانت تماثيل صغيرة من الطين تمثل لبعض الآلهة والغرض منها هو العبادة والتقرب إلى هذه الآلهة المختلفة بغرض الاستعانة بها على ما يواجهه المصرى القديم من أخطار، ومحاولة درء هذا الخطر والبحث عن الأمن والأمان مثل تماثيل إبن أوى أو الإله "أنوبيس" إله الجبانة والموتى والتحنيط الذى عبده المصرى القديم لدرء شر هذا الحيوان الذى يبحث عن جثث الموتى بأكملها، فاعتقد المصرى بأنه بالتقرب إليه والعبادة لها عن طريق تأليهه والإحتفاظ بهذا التمثال سوف يدرأ عنه الشر لحماية جسده ليحيى مرة أخرى

وهناك أمثلة أخرى لتماثيل آلهة الخير والنماء مثل البقرة والتى أطلق عليها "حتحور" وغيرها من التماثيل وكانت هذه التماثيل بسيطة من الطين المحروق، ثم تطور إلى مواد أخرى من الحجر والبرونز. فكانت التماثيل بسيطة فى التفاصيل والمغزى منها واضح وصريح.

ثم بدأ المصرى القديم فى نحت التماثيل الخاصة بالملوك وهى النوع الثانى ثم تليها تماثيل الأفراد

وكان بالنسبة لتماثيل الملوك تمثل الملوك على الهيئة الإلهية بعد الوفاة فى وضع الجلوس على العرش ملتح باللحية الخاصة بالآلهة مرتديًا المئزر حول الوسط وعلى الرأس غطاء الرأس الملكى والمسمى النمس، وهو أشهر أغطية الرأس مع أغطية أخرى اختلفت فى أشكالها وألوانها منها تاج الشمال الأحمر والجنوبى الأبيض والمزدوج المكون منهما معًا إلى جانب أغطية أخرى مختلفة وحرص على تزين الجبهة بالثعبان الكبرا (الصل) والعنقاء (أنثى النسر) رمزى الآلهتين الحاميتين للجنوب والشمال. فكان اعتقاد المصرى القديم أن الملك عند اعتلائه العرش طبقًا لما كان يشبه الكهنة ابن لإله الدولة الرسمى (رع) الشمس ولذا فيطلق على الملك لقب (سا رع) إى إبن الشمس إلى جانب العديد من الألقاب الأخرى مثل (سا بتاح) أى إبن الإله (بتاح) إله (ميت رهينة) ممفيس وملك الشمال والجنوب (نسوبيتى) واللقب النبتى المنتمى لإلهين الحمايتين لمصر الشمالية والجنوبية واللقب الحورى أى (حورس).

وكان الملك لابد أن يمثل فى سن صغير قد لايزيد عن حوالى 25 – 30 عام على الأكثر مهما كان عمر الملك وهذا يلاحظ بوضوح خلال العصر الفرعونى بالكامل من 3200 ق.م وحتى 332 ق.م لابد وأن يمثل تمثال الملك فى سن صغير شاب ذو فتوة مفتول العضلات، قوى البنيان، متسق القوام، ذو نظرة ثاقبة وشموخ الرأس، مفرود الكتفين، يجلس فى مثالية مطلقة مع اختلاف أوضاع اليدين سواء على الكتفين أو الصدر جالسًا أو واقفًا.

ومع دراسة أعمار الملوك المصريين فى طوال العصور الفرعونية (دولة قديمة– دولة وسطى– دولة حديثة) وعصر متأخر، نجد أن الأعمار تبدأ من 7 سنوات وحتى 109 سنة مثل توت عنخ آمون تسع سنوات ومات وهو فى التاسعة عشر وهناك رمسيس الثانى من 23 وحتى 93 عام، الملك بيبى الثانى من 19 وحتى 109 عام والملكات منهم بين العشرين والثمانين عام.

ولكن لابد من أن يمثل جميعهم فى هذا الشكل المثالى حتى أن الغير الدارس للفن المصرى يعتقد أن كل التماثيل متشابهة أى لشخص واحد أو عدة أشخاص متكررة ولا توجد هناك فروق بين هذا أو ذاك.

أى أن هناك نموذجًا أو نموذجين يتكرران فى كل التماثيل ولكن هذا غير صحيح فمع التدقيق فى ملامح تماثيل كل ملك يوجد اختلاف بين ملامح ملك عن آخر ولابد من أن المثال كان يحرص على تمثيل تفاصيل وجه الملك بدقة وإلا لا يكون هذا التمثال للملك وتصبح مشكلة له قد يفقد فيها حياته، لأنه من غير المعقول أن يرضى الملك بتمثال له ليس به تفاصيل وجهه.

لكن ما المغزى من تمثيل الملوك على هذه الهيئة المثالية وخاصة الشباب والفتوة؟.

والإجابة أن المصرى القديم عندما آمن بعقيدة البعث والحياة مرة أخرى، كان من جوهر هذه العقيدة أن الإنسان عندما يحى ثانية لابد وأن يكون فى هذه الصورة شاب قوى مفتول العضلات سليم البنية ليحيى حياة سعيدة ويتمتع بحياته الثانية على أكمل وجه وهذه الصورة سوف تكون أبدية، أى لن يكبر سنه مرة أخرى، كما كان فى الحياة الأولى فلو أنه مات، مثل: رمسيس الثانى على سبيل المثال فى سن 91 أو 93 عامًا كهل، عجوز، لا يعى شيئًا فى الدنيا عليل، مريض، سقيم، لا يقوى على المشى أو القيام والجلوس، ولا يستطيع أن يأكل أو يشرب كما كان فى شبابه، فكيف له أن يهنأ بحياة ثانية؟ فسوف تكون عذاب له، ولن يتمنى أن يحيا حياته الثانية على هذا النحو وهذا المنوال.

لذا فاعتقدوا أن الإنسان سوف يعود شابًا صغيرًا ليتمتع بحياته الثانية.

ولكن من أين أتى هذا الاعتقاد؟ وكيف أصبحت عقيدة راسخة عبر ثلاثة آلاف عام هى عمر الحضارة المصرية وهى جذورها ومصادرها. ولنا هنا وقفة:

وبالنسبة لتماثيل الأفراد التى سادت كافة العصور الفرعونية فى أوضاع مختلفة ولفئات مختلفة منهم كاتب ملكى– قائد جيش– كاهن– موظف كبير...إلخ. فقد حرص من استطاع عمل تماثيل أن يصنع تمثال لنفسه يمثله فى ما كان يقوم به فى الدنيا. فما المغزى وما المعنى ؟

نجد هذه التماثيل تماثل الهوية أو البطاقة الشخصية فالكاتب أثناء حياته كان يتمتع بوضع اجتماعى متميز بجوار ملكه وفى مجتمعه فهو حريص على هذا الوضع وهذا المنصب فكان يُصنع له تمثال يزين به منزله أثناء حياته ليتباهى به بين أهله وأصحابه وعند الموت لابد وأن يوضع هذا التمثال فى القبر لإعلام كل من بالحياة الثانية بأنه كان كاتبًا ملكيًا أثناء حياته ليبجل ويحظى بنفس المكانة والمنزلة فى العالم الآخر، كما يعثر عليها هذه التماثيل بالمقابر، وكذلك كان الأفراد والقضاة وقادة الجيوش، فهى تعتبر مثل البطاقات والهوية لإعلام من فى العالم الآخر بمكانة هؤلاء فى مجتمعهم فينالوا نفس المكانة

اما تماثيل الآلهة فهى تمثل جميع الآلهة سواء الآلهة الكبرى أو الرسمية أو المحلية والتى وصل عددها إلى ما يزيد عن 170 مائة وسبعون معبود ومعبودة، فهو تجسيد لقوة روح الآلهة فتمثال الإله آمون إله طبيبة مثلاً هى تمثل الصورة المادية لهذا الإله وخصصت هذه التماثيل للعبادة سواء فى المعابد أو المنازل.

وهكذا نرى أن المصرى القديم حينما أراد أن يخدم فكرة معينة سواء إيمانية أو عقائدية أو إجتماعية عمل على تجسيدها على هيئة تمثال يخدم هذه الفكرة ويعبر عنها بجلاء ووضوح ودون غموض. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق